عبد الملك الجويني

169

نهاية المطلب في دراية المذهب

والقول الثالث ( 1 ) - أن نفصل بين أن ترى الدم بعد النكاح وبين أن تراه قبله ، فإن رأته قبل النكاح ، تبيّنا بطلانَ العدة ، وإن رأته بعد النكاح ، فلا أثر لما رأت ، فإن قالوا : كيف يتجه قول من يقول : العدة لا تبطل ، وقد بأن أنها مضت قبل سن اليأس ؟ قلنا : هذا مبني على أنا لا نشترط استيقان اليأس ، بل نكتفي بظهوره ، وإذا ابتنى على ظهوره مضيُّ المدة المرعية في العدة ، فلا يضر ما يطرأ من بعدُ ، وإن كنا نتحقق بما ظهر أن الأمر على خلاف ما ظنناه ، [ وبنى ] ( 2 ) الأصحابُ هذا على قواعد تُبنى على اشتراط أمور ، ثم إنها تظهر ، ثم يتبين الأمر على خلاف المظنون ، وهذا بمثابة قولنا : إن المعضوب الموسر إذا أحجَّ عن نفسه ، وكان به عضب يبعُد زوالُه ، فإذا حج النائب ، ثم زال العضب ، ففي وقوع الحج عن المستنيب قولان . ومما يقرُب من ذلك أن من رأى سواداً ، فظنه عدوّاً وصلى صلاة الخوف ، ثم تبين أن ما تخيله لم يكن عدواً ، ففي صحة الصلاة خلاف مشهور ، ويقرب من هذه الأصول أن بيع الرجل مال أبيه على ظن أنه حيٌّ ، ثم تبين أنه كان مات ، وانقلب المبيع ميراثاً للبائع ، وصادف معه حصولُ الملك ، فهذه القواعد متناظرة ، فالخلاف فيها آيل إلى أنَّ الحكم فيها على قولٍ بموجب الحقيقة ، ونحكم على قولٍ آخر بموجب الظاهر ، وإذا أجرينا الحكم به ، لم ننقضه ، وإن كان الأمر بخلافه . 9789 - ومن تمام الكلام في المسألة أنا ذكرنا في التفريع على قولي القديم أنها إذا تربصت كما أمرناها ، واعتدت بثلاثة أشهر ، فلو رأت الدم ، ففيه خلافٌ قدمناه ، ولو نكحت ، ثم رأت الدم ، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن رؤية الدم بعد النكاح لا أثر له تفريعاً على قولي القديم ، وإنما الخلاف إذا رأت [ الدمَ ] ( 3 ) قبل النكاح [ وبعدَ ] ( 4 ) انقضاء الأشهر .

--> ( 1 ) هذا هو القول الثالث ، أما الثاني ، فهو مفهوم من المقام ، وهو قسيم الأول : أنا لا نبطل العدة نكحت أم لم تنكح . ( 2 ) في الأصل : وبين . ( 3 ) زيادة من المحقق . ( 4 ) في الأصل : وبعده .